قصة المتطوع في الدفاع المدني السوري "بشار ددو" من ريف إدلب

Printer Friendly and PDF

هل تعرف ماذا يعني أن تكون أباً، معرضاً كل لحظة أن تخسر أحد أبنائك أو كلّهم دفعة واحدة؟
أو ربما أن يخسروك هم، إذ أن تجري باتجاه مكان القصف في حين يهرب الجميع منه، لأنك قررت أن يكون همك الأكبر انتشال المصابين من تحت الأنقاض، وإنقاذ حياتهم!

"كان أول ما نطقت به عندما فتحت عيني، بعد ما يزيد عن إثني عشرة ساعة من الغياب التام عن الوعي، هو عمار، اسم ابني الأول، لم أستطع أن أتخيل ولو للحظة أنني لن أستطيع العودة إليه، أن آخذه في حضني وأضمه بقوة إلى صدري، وسالت من عيني دمعة أجبرتني أن أذرفها، فالذي عشته ذلك اليوم لم يكن اعتيادياً أبداً، على اعتبار أن الموت بالقصف صار اعتيادياً لدى كثيرٍ من السوريين."

ليس غريباً أبداً أن يكون هذا ما يشغل بال بشار ددو، ذو الأربع والعشرين ربيعاً، لأن ما يحمله في قلبه حبّ ليس فقط لأولاده بل لكل الناس لا يعرفه إلا من عرف بشار.

إذ كان يعمل قبل الثورة في مجال البناء وكانت حياته طبيعية وهادئة ما يكفي لكي يعيشها بسلام، لكنه قرر أول الثورة أن يكون في صف الشعب ضد قاتلهم، فخضع لدورات عدة في مجال الاسعافات الأولية، وصار يسعف المصابين والجرحى، ليتطوع بعدها في مركز الدفاع المدني منذ بداية نشأته، وأصيب بشار مرات عدة وهو ينقذ الناس، ولم يكترث بذلك فقد كان بعد كل إصابة يرجع إلى عمله الذي يُشعره بقيمة الإنسان وأهمية إنقاذ روح، ولكن الإصابة الأخيرة كانت مختلفة.

" في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً، استيقظت على صوت غارة للطيران، ولكني لم أسمع صوت انفجار بعدها، وظننت أن الصاروخ أو القذيفة لم تنفجر، فهدأ داخلي، إلا أنه لم تمضِ دقائق عدة حتى عاود الطيران التنفيذ من جديد، وهذه المرة عقبها أصوات أربعة انفجارات مدوية، صوتها لشدته يُرعب كيانك، استيقظ على إثره ابني عمار ذو الثلاثة أعوام، وأول أولادي، إذ كان الله قد رزقني بابنة أسميتها سلام، قبل عشرة أيام فقط، استيقظ عمار والهلع يأكل وجهه، فحضنته بين يدي، وهمست في أذنه لا تقلق يا بني، كل شيء بخير، فهدأ قليلاً، وقمت من فوري خلال دقائق قليلة جداً ركبت السيارة وانطلقت باتجاه مكان القصف الذي كان في الحارة الشمالية لمدينة خان شيخون بريف إدلب، حين وصلت كان المشهد غريباً، لم أرَ دماءاً تغطي الأرض وأجساد المصابين، فقط أناسٌ مُلقون في المكان بلا حراك، ولم أعطِ بالاً للموضوع، لأنك في هذه الحالة لا تملك وقتاً لتفكر، هاجسك الأكبر أن تنقذ أكبر عدد من المصابين، وضعت في السيارة ما استطعت من المصابين وانطلقت بهم نحو المستشفى، وتواصلت مع رفاقي في مركز الدفاع المدني، وأخبرتهم بالذي حدث ومكانه، كي يرسلوا المزيد من سيارات الإخلاء، ولكنّ شيئاً غريباً حدث بعدها، فلم تمضِ بضع دقائق حتى بدأت أشعر بخمول شديد، وخدر يسري في كل جسدي، ولم أعدْ أقوى على الحراك فعرفت أن هناك غازة سامة تحملها الصواريخ التي تفجرت في المكان، وغبت تماماً عن الوجود فكان آخر ما أذكره أنني استطعت بصعوبة بالغة إبلاغ فريق الدفاع المدني أن هناك غازات سامة حملتها الصواريخ التي ألقاها الطيران في المكان حتى يحضروا أنفسهم لذلك، فسلامتهم أهم عندي حتى من نفسي"
استيقظ بشار ليرى نفسه في المستشفى، لم يكن يدرك ما حدث فعلاً، ليجد أصدقاءه في فريق الدفاع المدني حوله فرحين بعودته سالماً بعد غياب دام ساعات من الخوف والقلق عليه، ولكن لم يفهم الأصحاب معنى الدمعة التي ذرفها بشار إلا لاحقاً، فقد أجابهم حين سألوه: " هذه المرة الأولى التي أسعف بها مصابين و لا أستطيع إيصالهم إلى المشفى لإنقاذ حياتهم"

وحتى اللحظة ما زال بشار يزور مركز المعالجة الفيزيائية، لخدرٍ مستمر في يده، نتيجة ارتخاء الأعصاب بعد الإصابة بغاز السارين السام، وقلبه في شوق لليوم الذي سيعود فيه إلى المركز ليكمل عمله. هذا ما يعنيه أن تكون إنساناً، في وجه آلة القتل والتدمير.