نور عتيق متطوع في الدفاع المدني السوري من ريف حلب

Printer Friendly and PDF

ثمة شعور سيراودك دائماً وفي كل مرة وحين تكون في طريقك إلى مكان استُهدف بغارة للطيران تبحث تحت أنقاضه عن حياة ما نجت من هذا الموت العمومي، بأنك قد لا تعود، طوال الوقت ستسأل نفسك، هل سأتبادل الدور مرة مع أحد الضحايا الذين أنقذهم، "هل سأتحول من منقذٍ إلى ذلك الشخص الذي يحتاج من ينقذه في أية لحظة.." يقول نور الذي لم يكن يدرك أن يوم التاسع من تموز 2015 سيحمل له ما كان يخشاه فعلاً.

" كثيرة هي اللحظات التي أثرت في نفسي خلال عملي مع الدفاع المدني، و خلفت لي ذاكرةً مليئةً بالألم و الأمل معاً " يحدثنا نورالذي لم يغب الإنسان في داخله ولو للحظة.

يذكر أنه في أحد الأيام في فترة كان القصف فيها على أشدّه، ولا تكاد السماء تخلو من الطائرات التي تصب حقدها على الناس دفعة وراء دفعة، حاملة معها الموت لهم، توجهت سيارات الدفاع المدني نحو أحد النقاط التي استهدفت للتو، وهنا حتماً سيلازمك الشعور بأن حياتك في خطر وأنك مهدد ومن معك في كلّ لحظة، إذ أن المرحلة اتسمت بالضربات المزدوجة، أي أن المنطقة ذاتها تُستهدف عدة مرات على مراحل، حتى يضمن الطيار أن الذين تحت الأنقاض ماتوا، وحتى من يسفعهم أو يفكر في ذلك.
" تواردت إلى مسمعي صرخات من تحت الأنقاض حتى كنت قد نسيت كل خوفي, نسيت نفسي, كانت أصوات نساء و أطفال!
، اقتربنا أكثر "يا ماما، يا بابا.." هناك طفلة تنادي أبويها من تحت الركام!، و هي لا تعلم ماذا حل بهما، أو إن كان الموت قد أبعداهما عنها إلى الأبد..
عملنا ساعات متواصلة لإخراج العالقين من الأحياء أو من الذين سبقنا الموت إليهم لدفنهم
، أبكاني أحد الأطفال حين دنوت منه لأنتشله من بين أكوام الحجارة و هو يقول لي بصوته المرتجف بينما عيناه تحدقان في السماء خائفاً مرتعداً من الطائرة التي ما زالت تحلق في الأعلى " أنقذني.. ساعدني عمو"

ويكمل نور:
"يهز كياني كل مشهد و كل نظرة خوف و نزيف و موت أكون شاهداً عليه
، إلا أنني كمتطوع في الدفاع المدني من واجبي إنقاذ أكبر عدد ممكن في أقصر وقت ممكن، و لا أستطيع أن أعيش لحظات ضعفٍ في مواقف كهذه، أدوس على قلبي و روحي لكي ألحق أن أصل إلى من تبقى لأنقذه.
نجوت في تلك المرة لأكون أنا الضحية في عملية إنقاذٍ أخرى"
خرج في تلك العملية لإنقاذ الجرحى و المصابين من جراء قصف طال إحدى الأحياء السكنية, و لم يكن يدرك في ذلك الوقت أنها ستكون آخر مهمة له يؤديها في الدفاع المدني.
بينما كان يعمل على إخراج الجرحى و إسعاف المصابين
، جاءت قذيفة شطرته إلى نصفين و أفقدته الإحساس بالنصف السفلي من جسده، و كانت تلك اللحظة الفاصلة التي غيرت وبدلت حياته كلها..

يصف نور حاله ما بعد الإصابة بحرقة:
" أصبح جسدي قيداً لي, سُلبت القدرة على الحركة و المشي, اختلفت حياتي كلياً و تغيرت حتى أصغر تفاصيلها, بعد أن كنت أعيشها بكل ما أوتيت من شغف. الأيام باتت تتكرر ذاتها, و رتابتها تكاد تقتلني
، لا أستطيع أن أتصور حياتي تخلو هكذا من مساعدة الناس أو عمل أي شيء وسط كل ما نعيش فيه من قتلٍ و تدميرٍ و تشريد
مضى على وقت إصابتي إلى هذا اليوم ما يقارب السنة وثمانية أشهر ، شعرت بكل يوم يمضي وكأنه سنة كاملة ، لما فيه من هم وكرب وضيق, أمضي ساعتين من يومي في مركز للمعالجة الفيزيائية, و بقية اليوم أمضيه على فراشي أو على كرسيّ للعجزة"


نور عتيق الشاب ذو ال 25 ربيعاً من مدينة عندان بريف حلب، الذي آثر أن يترك حياته السابقة و عمله في أحد مطاعم مدينة حلب سابقاً و يهب نفسه لمساعدة الآخرين من حوله و يعيد للحياة شيئاً منها وسط كل هذا الموت الذي يغشى البلاد حيث يقول:

" كنت أرى ما تتعرض له مدينتي من قصف عنيف و مجازر شبه يومية, كنت أسمع و أنا أقوم بعملي ضمن المطعم أنين الأطفال و الأمهات, و تتراءى في مخيلتي صور الأشلاء و الدماء و دموع الأمهات, لم أستطع أن أتحمل أكثر, وقد وهبني الله جسماً قوياً و وجدت في نفسي العزيمة و القوة التي تمكنني من تحمل الأخطار وتحمل مسؤولية إنقاذ الأبرياء مما يتعرضون له من وحشية و إجرام, فانضممت إلى فرق الدفاع المدني مع بدايات تشكيله, الذي رأيت من خلاله معنى الإنسانية, و كنت أشعر بالحياة تدب في روحي مع كل حياةٍ أنقذها"
أما عن الأمل في قلبه فيقول:

"رغم كل الألم الذي ينتابني اليوم إلا أن الأمل الذي أحمله في قلبي أكبر و كلي ثقة بالله أنني يوماً ما سوف أتمكن من العودة إلى عملي الذي نذرت له حياتي في الدفاع المدني, أتوق كل يومٍ إلى تلك اللحظة و أدعو الله دائماً أن يقوي صبري و عزيمتي و إيماني به و أن يبقي ذلك الأمل قريباً مني و يحققه لي ذات يوم, فما يبقي روحي و  قلبي حياً حتى الآن هو ذاك الأمل.."